السيد محمد تقي المدرسي
292
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
عن ابن أبي يعفور قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له : أصلحك الله ؛ إنّه ربما أصاب الرّجل منّا الضّيق أو الشّدة فيدعا إلى البناء يبنيه أو النّهر يكريه أو المسنّاة يصلحها ، فما تقول في ذلك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : ما أحبّ انّى عقدت لهم عقدة ، أو وكيت لهم وكاءً ، وأنّ لي ما بين لابتيها ؛ لا ولا مدة بقلم . إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار ، حتّى يحكم الله بين العباد . « 1 » وقال الإمام الصادق عليه السلام : لولا أنّ بني أمية وجدوا من يكتب لهم ، ويجبى لهم الفئ ، ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم ، لما سلبونا حقّنا . . . « 2 » ج - اجتناب التحاكم إلى الطاغوت ، حيث إنه جعل - في القرآن - بمثابة الايمان به . قال سبحانه : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ انْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ انْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ امِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيداً ( النساء / 60 ) وجاء في الحديث المشهور عن عمر بن حنظلة والذي اعتمد عليه فقهاؤنا ، أنه قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان والى القضاة أيحلّ ذلك ؟ قال عليه السلام : من تحاكم إليهم في حق أو باطل ، فإنما تحاكم إلى الجبت والطاغوت المنهي عنه . وما حكم له به فإنما يأخذ سحتا ، وان كان حقّه ثابتاً له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله عزّ وجل ان يكفر به . قال الله عز وجل : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ امِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ . قلت : فكيف يصنعان وقد اختلفا ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ، وعرف حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً ، فاني قد جعلته عليكم حاكماً . فإذا حكم بحكم ولم يقبله منه ، فإنما بحكم الله استخف ، وعلينا ردّ . والرادُّ علينا
--> ( 1 ) ميزان الحكمة / ج 5 / ص 612 . ( 2 ) المصدر .